ابن رشد

11

تلخيص كتاب الجدل

والآخر يبطله . فإذا فعلنا ذلك ، أمكننا بسهولة أن نميز الجزء الصادق الذي في ذينك القولين المتناقضين من الكاذب بأن نسبر مقدمات القياسين بالسبارات « 1 » البرهانية حتى نخلص المحمولات الذاتية منها عن العرضية ، وذلك أن مقدمات المقاييس الجدلية في غالب الأمر ليست كاذبة بالكل ، ولا صادقة بالكل . والحال في ذلك شبيه بما يعرض في الصنائع العملية . فإن السباك « 2 » يميز جوهر الذهب والفضة مما هو مختلط بهما من سائر الجواهر ، والصائغ « 3 » هو الذي يأخذ ذلك / المميز الخالص فيطبعه . ولو تكلف الصائغ الأمرين جميعا لأمكنه ذلك ، لكن كان يكون عليه الأمر أشق . وهذا إنما يضطر إليه أكثر ذلك في الأشياء التي يختلط فيها ما بالذات بما بالعرض وذلك إنما يعرض في العلم الطبيعي ، والعلم الإلهي ، والعلم المدني ، بخلاف الأمر في علوم التعاليم « 4 » . ولذلك قل ما نجد أرسطو يبرهن شيئا في هذه العلوم الثلاثة إلا قدم قبل البرهان على ذلك تشكيكا جدليا « 5 » . وبيّن أن

--> ( 1 ) سبر الجرح بالمسبار والسبار : قاس مقدار قعره . . . ( الزمخشري ، أساس البلاغة ، مادة : س ب ر ) . ( 2 ) سبك الفضة : خلصها من الخبث سبكا . . . وهو سباك الكلام ( الزمخشري ، أساس البلاغة ، مادة : س ب ك ) . ( 3 ) ( صاغ ) الشئ من باب قال ، فهو ( صائغ ) ( مختار الصحاح ، مادة : ص وغ ) . ( 4 ) أرسطو ، 1 ، 2 ، 101 ا 34 - 37 : ت . ع . 242 ب 8 - 10 ، طبعة بدوي ، ص 472 : « فأما منفعته في علوم الفلسفة فلأنا إذا قدرنا أن نتشكك في الأمرين جميعا ، سهل علينا في كل واحد من الأمور أن ندرك الحق والباطل » . ( 5 ) الفارابي الجدل ، مخطوط براتيسلافا ، ورقة 201 ب 14 - 18 : « فلذلك قل ما نجد أرسطوطاليس يتكلم في شئ من كتبه في هذه العلوم إلا قدم قبل الشئ الذي يلتمس البرهان عليه تشكيكات جدلية ، ثم أردف ذلك بالبراهين . ولذلك رتب أفلاطن الجدل عند تأديبه ملوك المدينة الفاضلة والفلاسفة بعد التعاليم وقبل العلوم الثّلاثة الباقية » . أفلاطون ، الجمهورية ، الكتاب السابع ، 521 ، ولا سيما 531 ترجمة الدكتور فؤاد زكريا ، ص 255 وما بعدها ، ولا سيما ص 271 . الفارابي ، الجدل ، مخطوط براتيسلافا ، ورقة 193 أ 9 - 12 : « والتشكيك هو تأليف قياسين ينتجان نتيجتين متقابلتين ، وإنما يكون ذلك بأن يشتركا في المقدمة الصغرى ، ويتقابلان في الكبرى ، والسبب في ذلك أنه لا يمتنع أن يكون في المشهورات الكلية مقدمات كاذبة بالجزء يخفى كذبها » .